أمريكا اللاتينية: ابتكار في ظل الشحّ التمويلي العالمي
كتبت منى احمد
باحث في التمويل المستدام وبناء القدرات المؤسسية
في كلمته بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني (19 أغسطس 2025)، شدّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على أن العاملين في المجال الإنساني يمثلون “آخر حلقة نجاة” لأكثر من 300 مليون شخص يعيشون في ظل نزاع أو كارثة، لكن هذا الحبل الممدّ لهم بدأ ينفد، إذ يتعرض هؤلاء العاملون لهجمات متزايدة، سُجّل العام الماضي رقمًا قياسيًا من القتلى بينهم، حيث قُتل 390 عاملًا إنسانيًا حول العالم. وأكد غوتيريش أن القوانين الدولية واضحة بوجوب حماية العاملين الإنسانيين، لكن غياب المحاسبة وغياب الإرادة السياسية يجعل هذه القوانين مجرد شعارات. واختتم بقوله: “الحلول موجودة، لكن ما ينقصها هو الشجاعة الأخلاقية والإرادة السياسية”. وبالتالي عكست الرسالة الحاجة الملحة لتجاوز النماذج التقليدية في الاستجابة الإنسانية وتبنّي مقاربات أكثر ابتكارًا، وهو ما تجسده تجربة أمريكا اللاتينية رغم تحدياتها.
أدوات التمويل الابداعية: نحو كسر حلقة الاستجابة المتأخرة
أدركت أمريكا اللاتينية أن الاعتماد على التدفقات التقليدية من المانحين لم يعد كافيًا لمواجهة التحديات الإنسانية الناتجة عن الكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية. لهذا تبنّت مقاربة تقوم على الاستباقية والمرونة في التمويل. من أبرز هذه الجهود مبادرة Ready and Resilient Americas التي أطلقها بنك التنمية للبلدان الأمريكية، والتي تهدف إلى تعزيز الجاهزية لمواجهة الكوارث قبل وقوعها. وركزت المبادرة على ثلاث ركائز أساسية: تمويل مشاريع البنية التحتية المقاومة للكوارث، وتخصيص موارد لدعم الاستجابة الفورية، وتعزيز الحوكمة لضمان الشفافية والمساءلة. كما خصصت المبادرة ملايين الدولارات لتطوير أنظمة الإنذار المبكر وتدريب الكوادر المحلية على خطط الطوارئ، مما ساهم في خفض التكاليف الإجمالية للاستجابة بنسبة قد تصل إلى ٦٠%.
إضافة إلى ذلك، أعلن بنك التنمية للبلدان الأمريكية عن خطة لتعبئة 11 مليار دولار بحلول عام ٢٠٣٠ لتمويل مشروعات مستدامة تشمل البنية التحتية والطاقة النظيفة وتعزيز المرونة المجتمعية. وتضمنت تلك الخطة أدوات مالية متطورة مثل منصات التحوط ضد تقلبات أسعار العملات، والقروض المرنة التي تتيح تعديل الشروط في حالات الطوارئ، بالإضافة إلى السندات البيئية الموجهة لحماية الأمازون، بما يُظهر انتقال المنطقة من الاعتماد على المساعدات الطارئة إلى بناء نظام مالي مرن ومستدام.
التأمين الكارثي وإدارة المخاطر: من رد الفعل إلى التدخل السريع
وفي ظل ارتفاع وتيرة الكوارث المناخية، اعتمدت دول أمريكا اللاتينية على آليات مبتكرة للتأمين ضد الكوارث، لتقليل الاعتماد على الاستجابة الدولية البطيئة، ومن أبرز هذه الآليات أداة Cat-DDO التي أطلقها البنك الدولي، وتسمح للدول بالحصول على خط ائتمان فوري يُفعل عند وقوع كارثة أو إعلان حالة طوارئ، كما حدث في كولومبيا وبيرو، حيث مكنت تلك الأداة الحكومات من التدخل خلال ٤٨ ساعة لتقليل الخسائر.
كما استفادت المنطقة من نماذج مثل صندوق التأمين ضد المخاطر الكارثية (CCRIF SPC)، الذي وفر أكثر من ٢٦١ مليون دولار كتعويضات عاجلة للبلدان المتضررة من الأعاصير والزلازل. وتمثل تلك الآليات تحولًا نوعيًا، إذ توفر تدفقات مالية سريعة خلال أسابيع قليلة، بدلًا من الانتظار لأشهر حتى تصل المساعدات الدولية، وإلى جانب هذه الأدوات، ظهرت عقود السداد المشروط التي تتيح للحكومات تعليق خدمة الدين بعد وقوع الكارثة لتوفير سيولة إضافية، الأمر الذي يعكس نضجًا في استخدام أدوات مالية غير تقليدية لمواجهة الأزمات.
الابتكار التكنولوجي: منصات ذكية تدعم المرونة والاستجابة السريعة
لم تقتصر جهود أمريكا اللاتينية على ابتكار أدوات تمويلية فحسب، بل امتدت إلى توظيف التكنولوجيا لتعزيز القدرة على التنبؤ والتدخل المبكر. ففي البرازيل وكولومبيا، جرى تطوير أنظمة إنذار مبكر مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المناخية والتنبؤ بمسارات الأعاصير والفيضانات قبل وقوعها بأيام، مما يتيح للسلطات والمجتمعات المحلية الاستعداد الفعلي. كما ظهرت تطبيقات مثل Kilimo التي تساعد المزارعين على إدارة موارد المياه بشكل أكثر كفاءة، عبر خوارزميات تتنبأ باحتياجات الري وفقًا لبيانات الطقس والتربة، مما يحدّ من مخاطر الجفاف وانعدام الأمن الغذائي. وبناءاً عليه قللت هذه الحلول الرقمية من الاعتماد على التدخلات المتأخرة، ورفعت كفاءة الاستجابة الإنسانية بما يواكب معايير الحوكمة الحديثة.
التمكين المجتمعي: شبكات محلية تدير الأزمات بمواردها الذاتية
إلى جانب الابتكار التقني، ركزت أمريكا اللاتينية على بناء شبكات مجتمعية قوية تضمن استمرارية الاستجابة حتى في ظل غياب الدعم الخارجي. ففي تشيلي وبيرو، تم تأسيس منصات محلية تضم منظمات المجتمع المدني والحكومات المحلية والقطاع الخاص، بهدف تنسيق الاستجابة الطارئة وتوزيع الموارد بشكل عادل. حيث اعتمدت تلك الشبكات على نماذج “التمويل التشاركي” بين الحكومات والقطاع الخاص، إضافة إلى حملات الاقتصاد التضامني التي شجعت المجتمعات على إنشاء صناديق محلية للطوارئ. وقد ساهمت هذه المبادرات في تعزيز الثقة بين المواطنين والسلطات، وعملت علي تقوية قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات من دون انتظار المساعدات الدولية.
هكذا تُظهر تجربة أمريكا اللاتينية الناجحة أن الحلول المبتكرة ليست رفاهية بل ضرورة في ظل تفاقم الأزمات الإنسانية وشحّ التمويل العالمي، فعن طريق أدوات التمويل الاستباقية، وآليات التأمين السيادي، والأدوات التأمينية، والابتكار المحلي، والدعم التنموي الإقليمي، وتعزيز القدرات الذاتية للمجتمعات، والحوكمة الرشيدة، وهي شروط قياسية استطاعت المنطقة من خلالها التحول من وضعية “شغور تمويلي” إلى “حلول مستدامة”. علاوة علي ذلك استطاعت المنطقة الانتقال من نموذج الاستجابة البطيئة إلى نموذج الاستعداد المسبق والمرونة المالية. وبناءاً عليه تترجم هذه التجربة دعوة الأمين العام للأمم المتحدة إلى التحرك من الشعارات إلى الأفعال، وإنهاء الجمود والاححام السياسي، مؤكدة أن الإرادة السياسية المصحوبة بابتكار مالي والشراكة المجتمعية يمكنها أن تغيّر المعادلة لصالح المجتمعات الأكثر هشاشة.